التحولات التي تشهدها المدن
بين العولمة االليبرالية الجديدة
والعولمة البديلة
غوستاف ماسيا
يونيو 05
تتغير طبيعته التعمير. ولا يشكل هذا التعمير في الجنوب امتدادا للثورة الحضرية التي عرفها القرن التاسع عشر؛ إنه يمثل قطيعة مع التطور الحضري. وترتبط هذه الثورة الحضرية بتطور العولمة؛ من دون أن نخوض هنا في توصيف العولمة التي تعتبر بمثابة مسلسل متناقض نتيجته غير محددة سلفا. والمدن، التي هي دعائم العولمة، جرى تحويلها هي الأخرى. فهذه العولمة تقلب النظام الجيو- سياسي رأسا على عقب وتعيد النظر في طبيعة الدول. وهي تغير العلاقات بين المحلي والوطني والعالمي، بين القروي والحضري، وبين الخاص والشمولي.
تحيل القطيعة إلى الرابطة الوثيقة بين التعمير والتصنيع التي ميزت ثورة القرن التاسع عشر الصناعية والحضرية. ويصطدم تعميم النموذج الصناعي الإنتاجوي على صعيد الكرة الأرضية بحد مزدوج. يتمثل الأول في النظام الإيكولوجي لكوكب الأرض الذي نقدر هشاشته، في تدهور بيئة المدن الكبرى على وجه الخصوص، التي تعتبر هي أيضا مصدرا للتلوث وإلحاق الضرر. ويتمثل الحد الثاني في التشغيل الذي أتلفه تسارع الإنتاجية المذهل. فلننطلق من جديد من صيغة هنري لوفيفر الواضحة تماما: « الفضاء هو إسقاط العلاقات الاجتماعية على الأرض ». وينصب التساؤل على مستقبل هذه العلاقة الأساسية: حالة الأُجراء.
لا يشمل موقع كل فرد في المدينة الهياكل الاجتماعية القديمة إلا جزئيا. ويرتبط الموقع في المدينة والحصول على السكن ارتباطا وثيقا بطبيعة المدخول أكثر مما يرتبط بمستواه. فالأجرة القارة تشكل وضعا اجتماعيا، حيث تمنح إمكانية الحصول على القرض وعلى السكن والاستهلاك الفردي والجماعي؛ إنها مفتاح الاندماج. وعلى العكس من ذلك، يفتح عدم وجود مدخول قار مسلسل الإقصاء بالنسبة للمجتمع الممأسس. فبدون مدخول قار تتوقف مجتمعاتنا عن الاعتراف بالحق في السلامة المُدرج في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يُخلط معناه بدون وجه حق بالأمن وبالانزلاقات الأمنية.
لا يمكن تحليل العولمة بمعزل عن النزوع إلى الهشاشة وتزايد الفوارق وتوسيع الإقصاءات وتعميقها. إقصاء من خلال الفقر والبؤس، مرتبط بالتفاوتات في المداخيل. إقصاء من العمل ومن الأوضاع الاجتماعية المرتبطة بالعمل القار. إقصاء بصعوبة الحصول على السكن. إقصاء ثقافي من إعادة الإنتاج الاجتماعي ل « النخب ». وحتى لو لم يكن بالإمكان الإقرار بالإقصاء، دونما تحديد، كمحلِّل وحيد للتطور الاجتماعي، فإن الإقصاء المكثف الذي تشهده المدن الكبرى يُغشى تحديد الهويات. فالتصورات الكلاسيكية (الجماعية، الدينية، الوطنية، الاجتماعية) لم تعد تحيط بعلاقة الفرد بالمجموعة.
تقابل العولمة والنموذج الحضري العالمي- الليبرالي الذي يدعي أنه نموذج كوني، أشكال حضرية. ففي كل مدينة تظهر مراكز جديدة، أجزاء من مدينة- عالَم. إنه فضاءُ اؤلئك الذين يسيطرون مباشرة على السوق العالمية والعملات الصعبة والجزر المحمية والمنظمة للفنادق ومقرات الشركات. فالمدينة تمتد على شكل أحياء مفرَّقة عنصريا ومنغلقة على ذواتها، تربط في ما بينها أو تفصل بالأحرى في ما بينها طرق سيارة حضرية. والنموذج الليبرالي العالمي يمزج التطهير الاجتماعي بالتفرقة الإتنية.
ما هو تمييزي هو الموقع بالنسبة للهشاشة، وللإقصاءات والتفاوتات؛ لذلك يجب رفض التطهير الاجتماعي والتفرقة الإتنية والحصر الحضري. فالرهان مهم والتناقض من مستوى كبير. لذلك ينبغي أن نرفض الرؤية القائلة بأن الليبرالية تهتم بما هو اجتماعي وبالإصلاح، وأنها ترأف بالفقراء. وينبغي إقامة تعارض بين التضامن والعمل الخيري. وحتى لا نقنع، بحكم الواقعية، بالتقليل من الفوارق ومن الإقصاء، ولكي نكون قادرين بالفعل على محاربة الظلم والإقصاء، يجب أن نكون قادرين على تمثل عالم بدون إقصاء ومدينة بدون تفرقة.
يتمثل الرهان في التأكيد على الحقوق وإدراجها في السياسات الحضرية وفي تشييد المدن. والواقع أن الفكرة القائلة بأن المدينة التي يجب أن نتمثلها هي تلك التي يكون بإمكانها أن تستند إلى الحق في السكن للجميع والحق في المدينة للجميع هي فكرة تحرز تقدما. فالحق في المدينة للجميع أصعب تمثلا. ورفض التمييز لا يعني وجوب حصول الجميع على سكن في وسط المدينة. بل الأمر يتعلق بإبداع مدن جديدة. وبهذا الخصوص، يمكن أن نتعلم من الممارسات بالمدينة، بالشمال وبالجنوب، العديد من الأشياء. فلا يتعلق الأمر بمقابلة مدينة الحق بمدينة الواقع، بالاستناد إلى المدينة الواقعية والإقرار بالكيفيات الشعبية في تشييد المدينة. فهناك عدة مسالك، انطلاقا من مراعاة مستوى الحي في الإنتاج الحضري والمساواة بين الأحياء في معايير التجهيز وتطور الخدمات الحضرية…
يُعاد تنظيم فضاء الفاعلين في التحولات الحضرية. وبين الدولة، المرفوضة والموجودة دائما، والسكان الذين يُعتبرون، حسب الحالة، رعايا أو زبناء أو مستهلكين أو مستعملين أو مواطنين، يبحث متدخلون آخرون عن موقع لهم. فالبلديات تكسب مزيدا من الاستقلالية؛ وهي تربط بين ما هو محلي والمنطقة الترابية؛ وتؤكد تمثيليتها باعتبارها مؤسسات محلية ومؤسسات للقرب. وتعلن الجمعيات عن ذاتها كشكل باعتبارها الشكل المنظم للمجتمع المدني؛ وهي تذكِّر بمصالح السكان وبضرورة مشاركتهم في أي مسلسل ديمقراطي. وتفرض المقاولات نفسها على الفضاء العمومي؛ فهي تذكر بأهمية الإنتاج وتدافع عن ترشيد تدبير الشبكات والخدمات؛ وهي تمثل العديد من أصناف المنطق كما تبين ذلك الأشكال الجديدة للفاعلين في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
يقوم السكان، ليكونوا قادرين على المقاومة وتحسين وضعيتهم، بتنظيم أنفسهم وبإحداث جمعيات. إنهم ينظمون أنفسهم من أجل النضال (النقابات، جمعيات المكترين…)، ينظمون أنفسهم من أجل التجريب والعمل (جمعيات التضامن، جمعيات الإدماج، جمعيات التنمية)، ينظمون أنفسهم للوصول إلى السلطة (الأحزاب، الجمعيات المطبوعة بروح المواطنة). وهذه الوضعية ليست جديدة وليست خاصة بالحركات الحضرية.
تتزايد أهمية الحركات الاجتماعية الحضرية. وهي في تحول، حيث تمزج بين مطالب الحقوق داخل المدن ومطالب الحقوق في المدينة. ولكل الحركات الاجتماعية التي تنتشر في المدن بعد حضري. فخصوصية الحركات الاجتماعية الحضرية تتوسع، من خلال المطالب التي تتعلق بظروف حياة السكان في المدن، لتشمل تشييد المدن والحصول على الحقوق في المدينة. ويتميز تحليل الحركات الاجتماعية الحضرية بغنى خارق للعادة. حيث تضاعفت الحركات المطالِبة بالحق في السكن. وهي تمزج اليوم بكيفية وثيقة الدفاع عن حقوق الأفراد بدون سكن بحقوق اؤلئك الذين لا يتوفرون على سكن لائق، كما يبين ذلك مثال MNLN في البرازيل. ويتألف الدال Le DAL في فرنسا من حركة الذين لا صوت لهم والذين هم بدون حقوق، بتوسيع المبادرات لتشمل حركات الذين هم بدون أرض والعاطلين والمهاجرين والمنبوذين… الخ. وقد امتدت حركات الاحتلال في مسلسل تسوية شامل يتعارض مع إقصاء الفقراء من وسط المدن. وهناك حركة دولية واسعة مناهِضة لعمليات الطرد بدأت تنظم ذاتها. فمفهوم «الفقير الحضري » يصبح أكثر جذرية. ويُبرز «التحالف الآسيوي من أجل الحق في السكن» الذي يضم جمعيات السكان المطالبة بالحق في السكن في أزيد من عشرين بلدا آسيويا، يبرز هذه التسمية الجديدة «الفقراء الحضريون» (« urban poors »).
تمتد النضالات من أجل السلامة العقارية إلى ممارسات تحسين المساكن أو بنائها، في إعادة التأهيل الحضري والتهيئة، وفي المطالبة بالمواطنة. وتوسِّع الجمعيات في فرنسا مثل إيمايوس Emmaus وفيدرالية الإدماج بالسكن (FAPIL) وال PACT-ARIM تدخلاتها في السكن لتشمل الأحياء. وتدافع الحركة الجمعوية، بكيفية متناقضة، عن ممارسات جديدة تتعلق بإعادة التشكيل العقاري، والادخار والقرض الشعبي، والبناء الذاتي والإنعاش الذاتي، والتدبير الجماعي للفضاءات وديمقراطية القرب.
يفضي هذا الغليان إلى إعداد مكثف. فالحركة من أجل الإصلاح الحضري تطرح مثلا التماثل مع الإصلاح الزراعي وتصفية الاستعمار. وهي تبرز الملكية العقارية، والإنتاج والتشغيل في الأحياء، والتمويل، والتدبير الحضري، والديمقراطية والمواطنة. وهناك مثال آخر هو مثال البحث عن أشكال للتحالف بين البلديات وجمعيات السكان يتجسد عبر مقترحات الميزانية التشاركية التي أعطيت انطلاقتها في بورتو أليغري.
الحركات الاجتماعية الحضرية هي حركات حاملة لمشاريع جديدة للتغيير الاجتماعي. وهي تتجدد انطلاقا من مشاركتها في حركة العولمة الجديدة المتميزة بتقارب الحركات الاجتماعية والمواطِنة حول توجه مشترك، هو توجه حصول الجميع على الحقوق الأساسية، على السلم وعلى الديمقراطية.
