Articles et interventions

La dimension du temps dans le Coran – livre de Mahmoud Hussein – version arabe – AR – 7p – 18.07.2023 – Religion

كتاب محمود حسين
بُعد الزمن في القرآن

كُستاف ماسِيَه
28 مايو/أيار 2023

 

   يندرج تقديم كتاب محمود حسين بُعد الزمن في القرآن (1) في إطار تجديد الفكر الذي يُميز العالم الإسلامي اليوم.                                                                                                 للفلسفة الإسلامية تاريخ مديد وعلينا أن لا ننسى أنه بواسطة ابن سينا، المتوفى سنة 998م، وابن رشد المتوفى سنة 1198م، تعرفت أوروبا العصر الوسيط على الفلاسفة الإغريق. وأن التجديد الإسلامي في القرن 19 كان ذا أهمية قصوى. وتتميز الحِقبة الحالية بنقاشات غنية وتَعمُّقٍ في العالم الإسلامي. ومن  بين العديد من المثقفين والباحثين يمكن ذِكر أسماء المرابط التي أصدرت القرآن والنساء (2) سنة 2007

وسليمان البشير دياني إسلام الأنوار (3) سنة 2014

.نقدم هنا آخر كتاب لمحمود حسين بُعد الزمن في القرآن

محمود حسين هو الإسم المستعار المشترك لكاتبيْن مصرِيَيْن، عادل رفعت و بهجت النادي اللذان ساهما في تجديد الفكر الماركسي بإصدار كتاب الصراع الطبقي في مصر عن دار النشر الباريسية ماسبيرو سنة  1969. كما أصدرا في 2018 كتاباً مرموقاً تحت عنوان منتفضو النيل(4) الذي يُدرِج احتلال ساحة التحرير في القاهرة سنة 2013 في إطار نضالات المرحلة المعاصرة في مصر

وقد ألَّفنا بمبادرة من سمير أمين وبمعية محمود حسين وألكسندر فير كتاب أزمة الأمبريالية الصادر سنة  1975 عن دار مينوي الباريسية (5)

كرّس الكاتبان، محمود حسين، منذ 2007، أبحاثهما لمقاربة الإسلام، وللتفكير في القرآن ضدّاً على كل أشكال الأصولية. وأصدرا عِدّة مؤلفات في الموضوع (6)  آخرها بُعد الزمن في القرآن الذي يُشكِّل

نوعاً ما نقطةً فاصلةً تُؤسِّس لراديكالية جديدة في الجدل الداخلي للإسلام                               إنه كتاب موجز، جوهري، منير، يجب وضْعُه بِعُجالةٍ في متناول الجميع، يعرِض موضوعاً يعنينا جميعا

ويدرسه بامتياز. لم تتحدَّث عنه وسائل الإعلام بما يكفي، لأنه من دون شكٍّ يُزعِجُ السلطات الدينية والثقافية بسبب تَخلُّصِه من القوالب المعتادة للفكر الجاهز وباقتراحه ثورةً لاهوتية من داخل الإسلام

بحُجَجٍ لا تُدحَض، معتمداً على العديد من الأمثلة وذلك بلغةٍ سلسة في متناول الجميع.

تُلخِّص هاته الخمسين ورقة خمسةً وعشرين سنة من الكدِّ

الإشكالية مطروحةٌ انطلاقا من الصفحة الأولى. فالقرآن، بالطبع، بالنسبة للمؤمنين المسلمين هوكلام الله، يجب أن يُؤخذ بالحرف حسب البعض منهم، في حين يرى البعض الآخر إمكانية أن يكون موضوع تأويلات متباينة، إلا أن معظمهم يؤمن بأن لكلام الله قيمة مطلقة في الزمان والمكان وأنه غير قابل للتقادم

توارثت هذه المقاربة منذ قرون، جيلاً بعد جيل كبداهة مُسلَّمٍ بها. إلا أنها تُشكِّّل معضلة مخاتلة لجميع المؤمنين الحاملين لرؤية دُنوية للعالم والمقتنعين بالقيم الإنسانية الكونية

اضطلاعاً بمبدإ المساواة في الحقوق بين الأفراد أيّاً كانت عقيدتهم أو جنسهم أو انتماؤهم الإثني، يجد هؤلاء المؤمنون أنفسهم في تعارض مع عددٍ من الأيات القرآنية المناقضة لقيمهم، إذ لا يمكنهم، على سبيل المثال، إلا رفض الوضع الإجتماعي اللامتساوي بين الرجل والمرأة أو ممارسة العبودية أو العنف ضدَّ غير المؤمنين أو العقوبات الجسدية، لهذا يُقِرُّون بأنه إذا كان القرآن يحتوي على تعليمات لازَمَنية فهو يتضمَّن كذلك تعليمات ظرفية تقترن بمرحلة بائدة لا تُلزمهم اليوم

يَسْتَلْفِتُ محمود حسين على أنهما غالباً ما يعيشان هذه الحالة كإنتهاكٍ لا مفرَّ منه مع أنهما لا يُغتَفران اقترافَه. ممّا يؤدّي إلى صراعٍ داخلي يجهدان لتحاشيه ونسيانه بتجنُّبِ أي جدالٍ حول هذا الموضوع

طالما لم يتجاوزا هاته المعظلة، فإن وعيهما بالعالم سيعاكس ما يعتبرانه أساساً لإيمانهما وسيتجهان نحو الإنطواء على تحفِّظهما وتجنُّب كل نقاش لهذا الموضوع للحفاظ على إسلامهما الدَّفين

وهذا الأمر مأساوي بكل المقاييس لأنه لا يعني أشخاصاً معزولين ومجرَّدين من أيَّةِ تمثيلية داخل    مجتمعاتهم. إذ ينتمون عموماً للطبقة الوسطى ويُشكِّلون كتلةً نقدية لفاعلين اجتماعيين ديناميكيِّين، من  طلبة وأساتذة و محامين وأطباء ومهندسين ومقاولين وصحفيين وُكتَّاب وفنانين وغيرهم. فبإمكانهم، من  خلال طاقتهم الفكرية والثقافية الكبيرة، المساهمة في بزوغ خطابٍ مسلم جيلي متفتح قادر على الإضطلاع بمكانته كاملةً في الجدال الكبير الذي يهزُّ العالم ويُكيِّفه حاليا. فبالتخلِّي عن الجدال الدِّيني

سيتركون احتكار الخطاب المسلم للأصوات الأكثر ظلاميّة والأكثر رِجعيّة

في حين، يقول لنا محمود حسين، أن لا مبرِّر لحيرةِ هؤلاء المؤمنين لأن مصدرها ليس هو النص القرآني، بل العقيدة التي تعتبر أن كلام الله غير متقادم

صحيح، من النظرة الأولى، أن القرآن، باعتباره كلام الله، وبما أن الله معصوم من الخطإ، فهذا المعتقد يبدو بديهياً، غير أنه يرتكز على فرضية ضِمنية قابلة للنقاش، مفادها أن كلام الله مرتبط بالضرورة  بالإلآه وبما أنه من نفس الطبيعة فهو جوهرياً خارج الزمن

دُحِضَت هاته الفرضية لاهوتياً من قبل بعض أكبر المفكِّرين المسلمين. إذ أن المعتقد الذي تتضمّنه : عدم قابلية التقادم الشامل للقرآن، بعيدٌ عن البداهة. إنها مجرد أطروحة تحققت تدريجياً من خلال المواجهة مع أطروحة مناقضة، لم تفرض نفسها كُلِّياً، على مستوى العالم الإسلامي، إلاَّ بعد وفاة النبي بقرون

يُذكِّر محمود حسين باقتضاب بالسيَّاق التاريخي الذي فُرضت فيه هذه الأطروحة قبل أن يُبرهن على  إمكانيَّة أن تكون، في القرن الواحد والعشرين، موضوع تفنيد جديد منسجمٍ متمَيِّزٍ ببداهة قويَّة كانت تنقصه قبل ألف عام

انفجرت، منذ البدايات الأولى للإسلام، بعد وفاة النبي، صراعات مذهبية داخل المدارس القرآنية. وتواجهت منهجيتان، سعت الأولى لبقاء التفسير القرآني لصيقاً بالنصِّ مُرَجِّحةً تقليدَ الأجيال الأولى من المؤمنين، فيما فضَّلت الثانية التفكير الشَّخصي المعتمِدِ على العقل. هناك من يعتبر أن سلطة الإله

اللامحدودة تتضمن القدرة المطلقة للإنسان، ومن يُطالب بفضاءٍ لحرِّية الإختيار للبشر

الأطروحات التي منحت امتيازاً لإستقلالية العقل، اعتمدها أساساً المعتزلة في بغداد، إذ يؤكدون أن القرآن « مخلوق » بمعنى أنه غير متطابقٍ مع الخالق بل مرَّ عبر « مكانٍ للخلق » ، أي النبي محمَّد. إذا كان الله هو من أوحى لرسوله بمضمون القرآن، فهذا الأخير هو من صاغه في شكل مرتبط بالضرورة بسياق  وبثقافة عصره. وهذا ما يفتح للمؤمنين مجالاً واسعاً لحرية التأويل

يُمثِّل الفلاسفة المسلمون مدرسةً أخرى للعقلانية التي تتجاوز المساحة اللاهوتية، باتباعهم مقاربةً موسوعيةً تهدِف إلى احتضان جميع حقول المعرفة بِترجيحهم حُجَّةَ العقل على حُجَّةِ السلطة حتى وإن اعتمدت هذه الأخيرة على وَحيٍ ما. استكشف الفلاسفة المسلمون الحدود القصوى للنزعة الإنسانية في

النِّطاق التوحيدي

سيشهد المعتزلة والفلاسفة المسلمون نهوضَ تيارٍ محافظٍ يتقوَّى أكثر فأكثر ضدَّهم. سيسعى حُرَّاس  التقليد والقضاة وعلماء الدِّين جاهدين،كُلّ في مجال اختصاصه، لإبادة مفهوم حرِّية الإختيار، مؤكِّدين    على أن القرآن « غير مخلوق »، وعلى أنه ينتمي إلى نمودج أصليٍّ مُتسامٍ، سابق للخلقِ ومخطِّطٍ سلفاً لكل التدبير الإلآهي. لذلك فإن كلام الله لا يشارك في الخلق بل يشارك في الخالق نفسه. لذلك ، فإن  الشيء الأساسي بالنسبة للمؤمنين هو الإعتماد عليه، حتى يتشربوا به، ويتم التشَبُّع بطبيعته الإلهية. إن مفهوم عدم التقادم في النص القرآني يفرض نفسه، حسب هذه المقاربة، كعين البداهة

سوف تتجه الأزمات السياسية والعسكرية، التي ستهُزُّ العالم الإسلامي فيما بعد، إلى تفضيل النجاح المتزايد لهذا المقاربة، حتى انتصارها الكُلِّي نهاية القرن الثاني عشر

للعثور من جديد على إلهام المعتزلة والفلاسفة المسلمين، علينا الانتظار حتى نهاية القرن التاسع عشر. حيث أن السياق التاريخي كان يختلف اختلافًا جوهريًا. إذ لم يعد الإسلام يعيش في قوقعة منغلقة، بل في عالم تبسط فيه أوروبا تفوقها الإقتصادي والعسكري والفكري في كل مكان. لقد استغلت فكر التنوير في خدمة مشاريعها الإستعمارية، غير أن هذا الفكر سيستفيد منه المستَعْمَر نفسُه، الذي سيتملَّكُه من أجل شَحْذِ أدوات تحرره تدريجياً. « برزت نُخْبة مثقفة علمانية اضطلعت بالثنائية المفاهيمية المُؤسِّسَة للحداثة : الإعتراف باستقلالية ما هو دنيوي عن العالم الآخر، والتأكيد على استقلالية الفرد

إزاء الجماعة التقليدية

بدأ المؤمن بالإقتناع بفكرة أنه إذا كان الله يحكم مملكة الروح، فإنه لا يتدخل في عالم الأشياء. فهذا العالم يخضع لقوانينه الموضوعية والضرورية الخاصة به، والتي يمكن للعقل البشري استيعابها، شريطة أن يتبنى مفهومًا جديدًا للزمن – زمن لم يعد يُنظر إليه على أنه سديم لحظات، خاضع للنزوة الإلهية، ولكن كمسار خَطي ومستمر لا رجعة فيه، حيث تأتي الأسباب قبل النتائج وحيث أن نفس الأسباب تُعطي نفس النتائج

المؤمن، الذي يُصبح واعيًا أكثر فأكثر بذاته ومسؤولًا عن اختياراته، يبدأ في تعديل سلوكه الروحي والأخلاقي وفقًا لما يمليه عليه ضميره، مستنيرًا بكلام الله. بالمقابل، عليه أن يتعلم التفكير في عالم الأشياء دون اللجوء إلى هذا الكلام، من خلال التمَّكُّن الوحيد من مبدأ السببية. فيبدأ الإبحار، يوميًا ، بين الخلود والزمن، قانون الله وقوانين الطبيعة، المطلق وغير المؤكد

من خلال مواجهة هذا البعد الجديد من الوجود، ستسعى بعض العقول المتنوِّرة وأكثرها شجاعة من النُّخبة العلمانية جاهدةً إلى إعادة حرية تأويل النص القرآني للفكر الإسلامي. دون التشكيك في المصدر الإلهي للوحي، وساعيةً بكدٍّ للتفكير في تاريخية ظهوره الدنيوي. وباستخدام التخصصات الحديثة للأنثروبولوجيا والسيميائية وفقه اللغة، تمكَّنوا من دراسة الآثار الوجودية والدلالات النفسية والجمالية التي يمكن أن تتخذها الآيات القرآنية لمعاصري الرسول، في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع. وهكذا إكتسبوا، تدريجياً، الوسائل لتمييز المعنى الأصلي للآيات القرآنية عن معانيها المحتملة في أزمنة وأماكن

أخرى

لكن تأثيرهم لا يزال حتى يومنا هذا مقصورًا على الدوائر العلمية، المثقفة، أو ذات الدوافع الخاصة. أولا ، لأن قراءة أعمالهم تتطلب جُهداً مستمراً؛ ثم لأن حراس العقيدة منعوا مؤلفاتهم فور صدورها. مُعتبِرين أساسَ مُقارَبَتِهم غير شرعي. باعتبار أن حُجَجَهم مُستمَدَّة من تخصصات دُنيوية، غريبة عن الإسلام، ولهذا يتم استبعادهم تلقائيًا، لأن نظرتهم للشأن الإلهي خارجة عنه

لذا يطرح محمود حسين سؤالا جوهرياً : هل يمكن تجاوُزُ هذا الاعتراض؟ هل يمكن إثباتُ أن القرآن لا ينفصل عن السياق الذي نزل فيه، بالإعتماد حَصْرياً على نصوص مألوفة لذى أكبر عدد من القُرَّاء ولا يُجادِل فيها حُرَّاس العقيدة ؟ الجواب هو نعم

النصوص التي تسمح بهذا الإثبات موجودة، ومنذ زمن بعيد. لقد وُلِدت استجابةً لحاجة شعرت بها

المدارس القرآنية في وقت مبكر : وهي استكشاف معاني العديد من الآيات، والتي ثَبُت أن فهمَها

صعبٌ، إن لم يكن مستحيلًا – إلا إذا تَمَّ الإهتداء للظروف التي نزلت فيها

سعى المدرِّسون في المدارس القرآنية إلى الإجابة على هذه الضرورة، من خلال العودة إلى مصدر جميع المعلومات المتوفرة عن فترة النزول – أي الشهادات التي تركها الصَّحابة. بعد وفاة النبي، إذ أوكلِوا مهمة نقل الأحاديث التي سمعوها منه إلى المؤمنين الجُدد الذين ما فَتِئت صفوفهم تتعاظم، مغتنيةً بذكرياتهم الخاصة عن لحظات وأمكنة نزولِ الآيات. وبعد وفاة آخر الصحابة ، بدأ تجميع هذه الشهادات

وتوثيقها».                                                                                                لقد تأثرت دِقَّةُ التدوينات المَرْوية بالضرورة من طول المرحلة الزمنية المنقضية، والظروف التقنية

لتبليغها، وأحيانًا من التَّحيُّزات الدينية أو السياسية للرُّواة. لذلك تتطلب دراسة هذه الوثائق من  المؤرخ عملاً تحليلياً صبوراً بالتدقيق فيها والتَّحَقُّقِ من صِحَّتها والتصديق عليها

لكن هذا العمل لا يخُص المؤمن. ففي نظر هذا الأخير، إذا كان من الممكن مناقشة الوقائع بالتفصيل، فإنها تشكل نصّاً موثوقاً به بشكل عام. إنها سنَدُ شُعبةٍ قائمةٍ بذاتها للتفسير القرآني : أسباب نزول القرآن. ولهذا السبب لم يكُفَّ المفسرون، جميع المفسرين، عن اللجوء إليها. وهذا ما يستأثر  باهتمام محمود حسين، لأنها تُشكِّل مراجع لا يمكن لحُِرَّاس العقيدة تفنيدَها.

إلا أن لِكاتِبنا رُؤية مختلفة تمامًا، لتلك الوقائع، عن رؤية حُرَّاس العقيدة الذين يلجؤون إلى الوقائع عند الضرورة، وبشكل ظرفي، لتوضيح معنى هذه الآية أو تلك، من خلال العودة إلى السياق الذي نزلت فيه. لكنهم لا يَتصوَّرون إطلاقاً أن محتوى الآية يمكن أن يتأثر بشكل من الأشكال بهذا السياق. من المفهوم بالنسبة لهم، أن مُجمل الآيات تستجيب لتصميٍم إلهي تم تصوره قبل الخلق، أي منذ الأزل.

تهدف قراءة محمود حسين للوقائع، على وجه التحديد، إلى العثور ، في الزمن الإنساني، على خيط الأحداث التي مَيَّزت حياة الرسول. وبالتالي، فإن القارئ يقوم برحلة عبر الزمن. يَتِمُّ نقله إلى المشهد  الأصلي للوحي. يتجوَّل في دروب مكة والمدينة. يقتفي طرق القوافل من اليمن إلى سوريا. إنه مدعُوٌّ الى البيوت وتحت الخيام. يدخل في حميمية النبي وأفكاره وقراراته. يتعرَّف على زوجاته وصحابته وخصومه ؛ يحضُرُ اللحظات التي « أوحِيت » فيها عليه آيات القرآن.

ولذلك فإن الوقائع تقوم أكثر بكثير من مجرد تمكيننا من فهم بعض هذه الآيات، والتي لولا ذلك ستظل غير قابلةٍ للإستيعاب. وهكذا تُضيء الطريقةَ التي يُقرأ بها القرآن ككل. وتُعيدُ إلى قراءته ارتجاج الحياة.

لا يمكن للمؤمن إلا أن يتأثَّر بهذه البداهة المنْسِيةِ منذ زمن طويل : فقبل أن يُصبح كتابًا، كان القرآن كلاماً حيّاً. كلام أداره الله، في زمنٍ واقعي، إبَّان نشأةِ طائفة من نوع غير معروف في الجزيرة العربية.

حتى ذلك الحين، كان العرب، وهم أساسًا من الوَثنيين، يتنَقَّلون في عالم ذِهْنيٍّ خالٍ من آفاقٍ ميتافيزيقية أو تاريخية. كانوا يشعرون بأنهم مُحاصَرين، من جميع الجهات، بقوى ظلامية وفوضوية، وكانت مَعالمِهُم الوحيدة آنذاك هي السُّلوك الأسطوري لأسلافهم والرموز الوحيدة الواقية لهم هي الأصنام الحجرية التي تَتعرَّفُ بها قبائلُهم.                                                                يأتي الخطاب القرآني لينتزعهم من ذلك اليقين الضَّيِّق، ليفتح لهم فضاءاً جديداً من الوعي، وليضَعهم ضمن الإمتداد الروحي لليهودية والمسيحية، ويُوسِّع أُفُقَهم الفكري ليُدرِك أبعادَ التاريخ الكوني.    الجانب الأكثر تمرُّداً وابتكارًا في الدِّين الجديد هو أن الكلّ (كل امرأة وكذلك كل رجل) مدعوٌّ لتَحمُّل المسؤولية الفردية عن أفعاله التي سيُحاسَب عليها شخصيًا أمام الله يوم القيامة.             الإسلام هو أصل هذه الدعوة التي ستُحدِثُ ثورةً في العقليات وتُحرِّر طاقات شعب، لأنها موجهة إلى  أشخاص، تأمرُهم بتجاوزِ أنفسهم، وتجاوز حدود الطبيعة الوثنية وأواصر الولاء الأعمى لرؤساء قبائلهم، حتى يتسنى لهم الوجود من أجل ذواتهم، في مسار يكون فيه لكل منهم خياراته، ودور يلعبه، تحت المرآى الدائم من الله.                                                                                      غير أن الله لمَّا أوحى لرسوله بهذه الرسالة، لم يأمره بإبلاغها للصحابة فقط، بل كلَّفه أيضاً بتأسيس

وقيادة طائفة دُنيوية تُجسِّدُ القيَم الواردة في تلك الرسالة.                                                فبموجب ذلك، لم يقتصر الله على إملاء المبادئ الأساسية للإسلام للمسلمين الأوائل. بل اختار مرافقتهم في حياتهم اليومية، بهدف تمكينهم من ترجمة هذه المبادئ إلى قواعد للحياة، وذلك، في إطار وحدود مشهدهم التاريخي.                                                                             « لذا، فالنص القرآني يتضمَّن وصايا روحية، وأُخروية، وطقوسية، وفي نفس الآن تعاليم شرعية وسلوكية، تهدف إلى وضع هذه الوصايا في السياق الإجتماعي والثقافي لشبه الجزيرة العربية في القرن السابع».                                                                                                « لذلك نجِدُ تناقضات صارخة بين ذروة التَّطلُّبات الميتافيزيقية والأخلاقية للدِّين الجديد والطابع النسبي والمحدود تاريخياً للإصلاحات القانونية التي يُنشِئها. وهكذا، أخْذاً في الإعتبار قوى الجمود الإجتماعي والثقافي في تلك المرحلة، يسِنُّ القرآن قوانين لا تدعو، في أغلب الأحيان، لإلغاء العادات القبلية ونظام الأبوية، ولكن لأنْسنتِها (…) ».                                                                       « ومن جهة أخرى، يتبنى القرآن مغامرات صراع الرسول في مواجهة التحديات المختلفة التي يواجهها.    ستتغير الوضعيات، من مرحلة إلى أخرى، في هذا المسار، وستتغير الطوارئ، وتنقلب الأولويات. لهذا، نجد آيات قرآنية في العديد من الموضوعات الهامة تعطي إجابات متباينة عن نفس السؤال.     لذا فإن قراءة القرآن، المُتحرِّرة من الغُلِّ الفكري المفروض من طرف عقيدة عدم التقادم، تستدعي، منذ ذلك الوقت، عدة ملاحظات.                                                                     « الملاحظة الأولى. يَعتنقُ كلامُ الله، في القرآن، لغةَ وثقافة وتساؤلات الجزيرة العربية في القرن السابع.       الثانية. غالبًا ما يتخذ كلامُ الله، في القرآن، شكلَ الحوارِ المباشر بين السماء والأرض. يتحاور الله في زمنٍ واقعي، بواسطة النَّبي مع مجتمع المسلمين الأوائل. ويحدث في سياق هذا التبادل، أن يتراجع الله عن بعض وصاياه، استجابة لِتضَرُّعٍ من النَّبي، أو لِضغطٍ من الصَّحابة.                           الملاحظة الثالثة والتي تنجَمُ عن الأوَّلتيْن. لم يمنحِ الله كلامَه نفسَ الحمَولة في جميع الأوقات. ينطق القرآن بحقائق ذات أنساقٍ مختلفة ، مُتشابكةٍ بين المطلقِ والنِّسبي، العام والخاص، الدائم والظَّرفي.

هذه الملاحظات مسنُودة هنا بأمثلة عديدة، حيث نرى أن الله يَتحمَّل صراحة نزول القرآن في الدَّوام. يتدخل في حبكة الزمن، للتعليق على أحداث ظرفية بحتة، أو للتدخل في وقتٍ حقيقي في حدث يجري آنياً. لقد يذهبُ إلى حدِّ تغيير مساطر سنَّها من قبل، للسماح للمسلمين بما حرَّمَه عليهم سابقاً.                                                                                                       و يُصادَف أن يَشْتكيَ الصحابةُ مباشرةً من قَسْوة آيات معينة من القرآن، التي يبدو لهم عِبؤها ثقيلاً جدّاً لِتحَمُّله، أو من شأنِ تداعياتها أن تُضِرَّ بهم مباشر. يمكن أن يُنزِّل الله بعد ذلك آيات جديدة، مما يجعل سابقاتها باطلةً. إنه مبدأ النَّقض المنصوص عليه صراحة في القرآن.                            ويختم محمود حسين : « الأصل الإلهي للقرآن لا يمنع من أن يكون له بُعداً دنيوياً، وأن يحتوي وصايا ظرفية. إنَّها مَشيئةُ الله. إذا أراد الله أن يكون لبعض وصاياه طابعاًً ظرفياً، فإنه من الخيانة لإرادته مَنحُها طابعاً أبدياً. لذا لا يمكننا قراءة القرآن ـ بل لا يجب أن نقرأه ـ كما لو أن لِكلِّ آية من آياته طابع مطلق وأبدي. يجب رفض عقيدة عدم التقادم الكُلِّية للقرآن ، لأن القرآن ينفيها. »                 بمجرد التخلُّص من هذا الغُل، يقرأ المؤمنون القرآن بشكل مختلف. بِحُرِّية. بذكاء. لأنه يُصبح بالنسبة لهم « كنزًا شخصيًا، وقراءتُه حدثًا حميميًا. يمكنهم بعد ذلك، بقراءته، إعادةَ اكتشاف المعنى الحقيقي لنصِّ مقدس.                                                                                                  فهو يدعونا، على عكس نصٍّ دُنيوي،  إلى أن نجد ، خلف الرسالة ، الروح التي ألهمته. إنه يدعونا إلى تجاوز ما هو جَلِيٌّ، للرُّكوض نحو ما هو دقيق عن الوصف (…)  »                               « باستعادة كمال حياتهم الداخلية، سيتمكن المؤمنون أخيرًا من التخلص من الحَجْرِ الروحي الذي وضعوا فيه أنفسَهم. وبحسب صلاتهم المتجانسة، سيكونون قادرين على أن تكون لهم رؤىً متفتِّحة وأكثر شاعرية، أو أكثر حسية، أو أكثر رمزية للنصِّ القرآني، لتأكيد تفسيرات أكثر عقلانية أو أكثر صوفية. سيَتمكَّنون من التَّجمع، واستكشاف مناهج جديدة معاً، وتكوين إطارات جماعية لمختلف الحساسيات، وربما على شكلِ تيارات فكرية. سيعملون، على أية حال، على إسماع خطابٍ مسلم جديد، غير مُثبِّطٍ، إنساني، متعدِّدٍ.»                                                                       بالإضافة إلى الإهتمام الكبير، منذ أمدٍ الطويل، بمقاربة محمود حسين، أودُّ التأكيد على أن هذا الكتاب يأتي في وقته في الوضع الراهن. لأن القِوى اليمينية الجديدة فرضت نفسها في كل ديانة من خلال مختلف الأصوليات. سواء فكرنا في الحركات الإسلاميَّة الراديكالية بالنسبة للإسلام. في الكاثوليك الأصوليين، بالرغم من تصريحات البابا فرنسيس ؛ في الإنجيليين وفي العنصرة المتطرفين عند البروتستانتين ؛ في الأصوليين الأرثوذوكسيين. في الأصولية اليهودية في الصهيونية. في هندوس مودي ؛ في البوذيين المتطرفين في بورما ؛ دون أن ننسى « العلمانويين » بين الملحدين. الجِدال ضروري، في كل ديانة، بين المتطرفين وأنصار الكونية التضامنية. يمكننا الإعتماد، في كل دين، على تعبئة الناس  الملتزمين بسياسات الانفتاح والتحرر. ويجب أن ندعم صوتَ مَنْ يعارض، من نساء ورجال، كل الأصوليات وامتداداتها داخل مختلف اتجاهات اليمين المتطرِّف

[1] Mahmoud Hussein, La dimension du temps dans le Coran, Editions Grasset, Paris 2023

[2] Asmah Lamrabet. Le Coran et les femmes : Une lecture de libération, Lyon, Tawhid 2007 ; Les femmes et l’islam : Une vision réformiste, Paris, Fondation pour l’innovation politique, coll. « Valeurs d’islam » (no 8), 2015 ;  Croyantes et féministes : Un autre regard sur les religions, Paris, AlBouraq, et Casablanca, La Croisée des chemins, 2016 : Islam et Femmes : les questions qui fâchent, Casablanca, Gallimard, 2017 ; Le prophète de l’islam et les femmes de sa vie, éditions al-Bouraq, 2020

[3] Souleymane Bachir Diagne, Comment philosopher en Islam, Editions Philippe Rey, Paris 2014
-et l’émission l’Islam des Lumières, Radio France, 10 avril 2021,

[4] Mahmoud Hussein, Les révoltés du Nil, Une autre histoire de l’Egypte moderne, Editions Grasset, Paris, 2018

[5] Samir Amin, Alexandre Faire, Mahmoud Hussein, Gustave Massiah, la crise de l’impérialisme, Editions de Minuit, Paris 1975

[6] Mahmoud Hussein, AL-SÎRA, le Prophète de l’islam raconté par ses compagnons, (Tome I, Grasset 2005 ; Tome II, Grasset 2007) ; Penser le Coran, (Grasset 2009) ; Ce que le Coran ne dit pas, (Grasset 2013) ; Les Musulmans au défi de DAECH, Gallimard 2016).

Rechercher